محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المسجد الحرام ، فكانت كبيرة إلا على الذين هدى الله . وقال آخرون : بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل . ذكر من قال ذلك . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي قبلة بيت المقدس ، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وقال بعضهم : بل الكبيرة : هي الصلاة التي كانوا يصلونها إلى القبلة الأَولى . ذكر من قال ذلك . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قال : صلاتكم حتى يهديكم صلى الله عليه وسلم الله عز وجل القبلة . وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً قال : صلاتك هاهنا يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وانحرافك هاهنا وقال بعض نحويي البصرة : أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة ، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً . وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة فتأويل الكلام على ما تأوله قائلوا هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليتناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله . وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب ، لأَن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأَولى إلى الأَخرى لا عين القبلة ولا الصلاة ؛ لأَن القبلة الأَولى والصلاة قد كانت وهي غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجه تأنيث الكبيرة إلى القبلة ، ويقول : اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك ، كما قد وصفنا لك في نظائره ، فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما . ومعنى قوله : لَكَبِيرَةً عظيمة . كما : حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قال : كبيرة في صدور الناس فيما يدخل الشيطان به ابن آدم . قال : ما لهم صلوا إلى هاهنا ستة عشر شهرا ثم انحرفوا فكبر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين . فقالوا : أي شيء هذا الدين ؟ وأما الذين آمنوا فثبت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم . وقرأ قول الله وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قال صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة . قال أبو جعفر : وأما قوله : إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فإنه يعني به : وإن كان تقليبتناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك ، والإِيمان بك وبذلك ، واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحه ، عن ابن عباس : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يقول : إلا على الخاشعين ، يعني المصدقين بما أنزل الله تبارك وتعالى . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قيل : عنى بالإِيمان في هذا الموضع الصلاة . ذكر الأَخبار التي رويت بذلك وذكر قول من قاله : حدثنا أبو كريب قال ثنا وكيع وعبيد الله ، وحدثنا سفيان بن وكيع ، قال ثنا عبيد الله بن موسى جميعا عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما وجه رسوله الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . حدثني إسماعيل بن موسى ، قال : أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قول الله عز وجل : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء نحوه . وحدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن محمد بن نفيل عن الحراني ، قال : ثنا زهير ، قال : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء قال : مات على القبلة قبل أن تحول إلى البيت الكعبة رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى ذكره : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ حدثنا بشر بن معاذ العقدي ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قال أناس من الناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . حدثني